الجزائريون يحيون 5 جويلية وسط تنكر باريس لدمائهم
أخبار الجزائر 7/03/2011 11:09:00 م
الجزائريون يحيون 5 جويلية وسط تنكر باريس لدمائهم
49 سنة من الاستقلال.. والغطرسة الفرنسية
تحتفل بلادنا يوم 5 جويلية 2011 بمرور تسع وأربعين سنة على استقلالها، بعد 132 سنة من الاستعمار الدموي الفرنسي الغاشم، وتعود ذكرى الاستقلال هذا العام وسط مزيد من الإصرار الفرنسي الرسمي على نكران الذاكرة والتنكر لحق الشعب الجزائري في الحصول على اعتذار من فرناس على ما قامت به طيلة فترة الاستندمار.
ويأتي عيد الاستقلال هذه السنة على بُعد أيام قليلة من تصريحات فرنسية جديدة تصب في سياق الغطرسة، حيث أدلى عدد من المسؤولين الفرنسيين في الأيام الأخيرة بتصريحات أكدوا فيها استحالة اعتراف فرنسا بجرائمها في الجزائر، وذهب أحدهم، وهو آلان جوبي، أبعد من ذلك حين اعتبر أن من يطالبون فرنسا بالاعتذار عن جرائمها في بلادنا متطرفون، وهو التصريح الذي خلف ردود فعل عاصفة في الجزائر، دون أن تُترجم في شكل رد رسمي يشفي غليل الجزائريين المتعطشين لرد اعتبارهم أمام متطرفي السياسة الفرنسية.
وتأتي الاحتفالات بعيد الاستقلال هذه المرة، التي اختيرت تيبازة مسرحا رسميا لها، في ظل التحضير لإصلاحات سياسية شاملة، من المرتقب أن تمس الدستور، دون أن تمس بجوهره وبحرصه على وضع تاريخ البلاد ورموزها فوق كل الاعتبارات..
فوق كل الاعتبارات
"تضمن الدولة احترام رموز الثورة وأرواح الشهداء وكرامة ذويهم والمجاهدين. وتعمل كذلك على ترقية كتابة التاريخ وتعليمه للأجيال الناشئة.." هذه الفقرة من المادة 62 من الدستور الجديد الذي صادق عليه البرلمان الجزائري بغرفتيه يوم الثاني عشر نوفمبر من سنة 2008 اعتبرتها الأسرة الثورية أهم فقرة في هذا الدستور الذي ارتأى رئيس الجمهورية عبد العزيز بوتفليقة أن يحتوي على تعديلات مست بضعة محاور أساسية أحدها حماية رموز الثورة وترقية كتابة التاريخ، وهو ما يعكس الحرص على وضع الثورة الجزائرية وتاريخ البلاد فوق كل الاعتبارات..
عندما صادق البرلمان في نوفمبر من السنة الماضية على مشروع التعديل الدستوري، أصبحت حماية رموز الثورة وترقية كتابة التاريخ إحدى الأولويات التي لا يمكن المساومة عليها، والحقيقة أن ما قام به بوتفليقة، مهندس الدستور الجديد، لم يفاجئ المتتبعين، فالرجل مجاهد قبل أن يكون شهيدا، وقضى جزءا كبيرا من حياته في النضال من أجل الجزائر، ويعرف جيدا معنى ما قام به المجاهدون، ويدرك قيمة تاريخ البلاد وأهمية إبقاء هذا التاريخ بعيدا عن التجاذبات السياسية.
وقد تميّزت الفترة التي سبقت الإعلان عن النص الدستوري المذكور بجدل كبير بين مجموعة من الأطراف التي لم تتوان في استغلال تاريخ البلاد لتصفية حسابات سياسية وغير سياسية، الأمر الذي أثار استياء الأسرة الثورية، وحين نقول الأسرة الثورية فذلك يعني أننا نقصد الجزائريين بشكل عام، حيث لا تكاد تخلو عائلة جزائرية واحدة من مجاهد أو شهيد.
ووسط الجدل السياسوي المتكئ على تاريخ البلاد وثورة نوفمبر، ارتفعت أصوات كثيرة تدعو إلى حماية الثورة ورموزها من مثل هذا الاستغلال المشين، والارتقاء بكتابة التاريخ بعيدا عن الحسابات الضيقة.. ولأن هذه الأصوات كانت أصوات حق ومنطق، لم يكن مفاجئا بالمرة أن يحمل الدستور الجديد تعديلات جوهرية تخص هذا الجانب.
وتنص المادة الأولى من دستور 2008 المعدلة للمادة 5 من دستور 1996 على أن العلم الوطني والنشيد الوطني من مكاسب ثورة أول نوفمبر 1954 فهما غير قابلين للتغيير، وهما رمزان من رموز الثورة والجمهورية، كما تنص على أن القانون هو الذي يحدد خاتم الدولة.
وإضافة إلى تحديد مميزات العلم الوطني والنشيد الوطني باعتبارهما من رموز ثورة أول نوفمبر 1954 والجمهورية، قرر الدستور الجديد إدراجهما ضمن المواضيع التي لا يمكن أن يمسّها أي تعديل دستوري، على اعتبار أن هذين الرمزين هما ملك لجميع الجزائريين، وإرث توارثته الأجيال السالفة، ويجب توريثه للأجيال القادمة، ولا شك أن التنصيص ضمن الدستور على هذه المميزات يهدف إلى ضمان حماية هذين الرمزين، وتكريسهما كمعالم للأمة، من خلال جعلهما غير قابلين للتغيير، وإضفاء طابع الديمومة عليهما، وضمان حفظهما على مرّ الأزمنة والأجيال.
وشكّلت المادة الأولى من دستور 2008 رسالة لكل العابثين برموز الثورة، وليس بعيدا عنا ما قامت به تشكيلة سياسية سوّلت لها أمزجة قيادييها العبث بالراية الوطنية من خلال تنكيسها وتعويضها براية سوداء، وهو ما اعتبره الرأي العام الوطني مساسا بهذا الرمز، وقد جاء الدستور الجديد لوضع حد لمثل هذه التجاوزات، وللتأكيد على أن رموز الثورة التي أهدت الاستقلال للجزائر والجزائريين ليست لعبة.
التاريخ ورموز الثورة.. بعيدا عن عبث العابثين
عرفت البلاد في سنوات الفوضى والجنون والدماء ضعفا كبيرا في مجال التحكم في كتابة التاريخ بطريقة موضوعية تتيح للأجيال الصاعدة فرصة الاطلاع على تاريخ البلاد كما هو، ومعرفة حقيقة ما جرى، بعيدا عن الذاتية التي ميّزت الكثير من الكتابات، إذ ظهرت إلى الساحة مؤلفات عديدة تُعنى بالتاريخ، ولكن معظمها كانت أشبه إلى الروايات الأدبية منها إلى الكتابات التاريخية، حيث طغى التزييف على بعضها، وغرقت أخرى في خيال أصحابها الذين كتبوها بطريقة تسيء إلى عدد من صناع هذا التاريخ.
وبدا واضحا أن كثيرين ممن شهدوا جانبا من التاريخ الحديث للبلاد لا يُسعدهم أن يكتبوا الحقيقة كما هي، ولا يجدون حرجا في تصفية حساباتهم الشخصية والسياسية من خلال تزوير حقائق تاريخية، ولذلك ارتأى مهندس الدستور الجديد، رئيس الجمهورية، أن يحدد الإطار العام لكتابة التاريخ، وأن يذكر المؤرخين ومن تشبه بهم بالمسؤولية التاريخية التي تقع على عاتقهم، فجاءت المادة 62 لتؤكد أنه على كلّ مواطن أن يؤدّي بإخلاص واجباته تجاه المجموعة الوطنيّة، ولتشير أيضا إلى أن التزام المواطن نحو الوطن ومشاركته في الدفاع عنه، يعدان واجبين مقدّسين مستمرين، لا ينتهيان غلا برحيل المواطن من الحياة الدنيا.
والمواطن ليس الوحيد الذي عليه أن يتحمل هذه المسؤولية التاريخية الثقيلة، حيث تشير المادة ذاتها إلى أن الدولة تضمن احترام رموز الثورة وأرواح الشهداء وكرامة ذويهم والمجاهدين، ويشكل هذا الجزء من هذه المادة مبعثا على اطمئنان المنشغلين بانتهاك حرمة رموز الثورة وأرواح صانعيها الراحلين، حيث يؤكد الدستور الجديد أن السلطات ستتكفل بالقيام بواجبها في حماية رموز الثورة من عبث العابثين الذين لا يستحون من المساس بأرواح الشهداء وكذا بكرامة المجاهدين، فالشهيد والمجاهد رمزان ينبغي تبجيلهما لا العبث بهما، وتقدير الشهداء والمجاهدين قدرهم الذي يستحقونه يعني أن الأجيال يستشعرون قيمة الاستقلال الذي دفعت الجزائر من أجله ضريبة ثقيلة من أبنائها.
كما تشير المادة 62 من دستور 2008 إلى أن الدولة تعمل كذلك على ترقية كتابة التاريخ وتعليمه للأجيال الناشئة، وهي المرة الأولى في تاريخ الجزائر التي تتم فيها دسترة ترقية كتابة التاريخ وتعليمه للأجيال الناشئة، وإسناد تأدية هذه المهمة إلى الدولة، مما يشكل تأكيدا على أن تاريخ الأمة الجزائرية هو تراث مشترك يتقاسمه جميع الجزائريين، وقد أشار المجلس الدستوري حين مناقشته التعديلات الجديدة إلى أن إدراج ترقية كتابة التاريخ وتعليمه للأجيال الناشئة ضمن الدستور، يهدف في غايته، إلى حفظ الذاكرة الجماعية للشعب الجزائري، وتعزيز المبادئ التي تقوم عليها الأمة الجزائرية.
التاريخ.. والثورة.. في الحفظ والصون
ودون مبالغة، يمكن التأكيد بأن دستور 2008 قد جعل تاريخ الجزائر وثورة التحرير في الحفظ والصون، وأبعدهما عن كل استغلال وتجاذبات من أي نوع، وأصبحت الكرة الآن في مرمى الأجيال الصاعدة.. أجيال الاستقلال، التي عليها أن تتطلع إلى إعادة ترتيب الحقائق التاريخ، والبحث عن تفاصيل ما جرى طيلة حقب التاريخ الجزائري الطويل والباعث على الفخر أيضا في قلب كل جزائري.
لقد أدى الشهداء والمجاهدون واجبهم كاملا، ونجحوا في طرد المستعمر الفرنسي وتطهير الأرض الجزائرية من رجسه، وواصلوا حربهم عليه حتى بعد الاستقلال، بدليل أن المجاهدين كانوا في الصفوف الأولى للرافضين لقانون العار الفرنسي الممجد للحقبة الاستعمارية، وقد أثمر هذا الرفض من خلال تراجع البرلمان الفرنسي عن المواد محل الجدل.
وفي غمرة شهر نوفمبر، الذي يأتي في ظل دستور جديد يضع النقاط على الحروف بخصوص رموز الثورة وكتابة التاريخ، تبدو المهمة الملقاة على كاهل أجيال ما بعد 1962 ثقيلة للغاية، حيث أن أجيال ما بعد الاستقلال مطالبة بالحفاظ على مكسب الاستقلال، بل وأكثر من ذلك تدعيمه، من خلال بناء دولة قوية تحسب لها الأمم الأخرى ألف حساب.. دولة قادرة على توفير حياة كريمة لمواطنيها القادرين على صناعة حاضر زاهر بأيديهم، والتمهيد لمستقبل أفضل لأجيال الغد، حتى تبقى صورة الجزائر، مهما كانت الظروف وتوالت الصعاب، ناصعة البياض دائما، وعلى مر العصور.
دستور 2008 ورموز الثورة
المادة 5:
العلم الوطني والنشيد الوطني من مكاسب ثورة أول نوفمبر 1954 وهما غير قابلين للتغيير.
هذان الرمزان من رموز الثورة، هما رمزان للجمهورية بالصّفات التالية:
1- علم الجزائر أخضر وأبيض تتوسّطه نجمة وهلال أحمرا اللّون.
2- النشيد الوطني هو "قسما" بجميع مقاطعه.
المادة 62:
على كلّ مواطن أن يؤدّي بإخلاص واجباته تجاه المجموعة الوطنيّة.
التزام المواطن إزاء الوطن وإجبارية المشاركة في الدفاع عنه، واجبان مقدّسان دائمان.
تضمن الدولة احترام رموز الثورة وأرواح الشهداء وكرامة ذويهم والمجاهدين.
وتعمل كذلك على ترقية كتابة التاريخ وتعليمه للأجيال الناشئة.
49 سنة من الاستقلال.. والغطرسة الفرنسية
تحتفل بلادنا يوم 5 جويلية 2011 بمرور تسع وأربعين سنة على استقلالها، بعد 132 سنة من الاستعمار الدموي الفرنسي الغاشم، وتعود ذكرى الاستقلال هذا العام وسط مزيد من الإصرار الفرنسي الرسمي على نكران الذاكرة والتنكر لحق الشعب الجزائري في الحصول على اعتذار من فرناس على ما قامت به طيلة فترة الاستندمار.
ويأتي عيد الاستقلال هذه السنة على بُعد أيام قليلة من تصريحات فرنسية جديدة تصب في سياق الغطرسة، حيث أدلى عدد من المسؤولين الفرنسيين في الأيام الأخيرة بتصريحات أكدوا فيها استحالة اعتراف فرنسا بجرائمها في الجزائر، وذهب أحدهم، وهو آلان جوبي، أبعد من ذلك حين اعتبر أن من يطالبون فرنسا بالاعتذار عن جرائمها في بلادنا متطرفون، وهو التصريح الذي خلف ردود فعل عاصفة في الجزائر، دون أن تُترجم في شكل رد رسمي يشفي غليل الجزائريين المتعطشين لرد اعتبارهم أمام متطرفي السياسة الفرنسية.
وتأتي الاحتفالات بعيد الاستقلال هذه المرة، التي اختيرت تيبازة مسرحا رسميا لها، في ظل التحضير لإصلاحات سياسية شاملة، من المرتقب أن تمس الدستور، دون أن تمس بجوهره وبحرصه على وضع تاريخ البلاد ورموزها فوق كل الاعتبارات..
فوق كل الاعتبارات
"تضمن الدولة احترام رموز الثورة وأرواح الشهداء وكرامة ذويهم والمجاهدين. وتعمل كذلك على ترقية كتابة التاريخ وتعليمه للأجيال الناشئة.." هذه الفقرة من المادة 62 من الدستور الجديد الذي صادق عليه البرلمان الجزائري بغرفتيه يوم الثاني عشر نوفمبر من سنة 2008 اعتبرتها الأسرة الثورية أهم فقرة في هذا الدستور الذي ارتأى رئيس الجمهورية عبد العزيز بوتفليقة أن يحتوي على تعديلات مست بضعة محاور أساسية أحدها حماية رموز الثورة وترقية كتابة التاريخ، وهو ما يعكس الحرص على وضع الثورة الجزائرية وتاريخ البلاد فوق كل الاعتبارات..
عندما صادق البرلمان في نوفمبر من السنة الماضية على مشروع التعديل الدستوري، أصبحت حماية رموز الثورة وترقية كتابة التاريخ إحدى الأولويات التي لا يمكن المساومة عليها، والحقيقة أن ما قام به بوتفليقة، مهندس الدستور الجديد، لم يفاجئ المتتبعين، فالرجل مجاهد قبل أن يكون شهيدا، وقضى جزءا كبيرا من حياته في النضال من أجل الجزائر، ويعرف جيدا معنى ما قام به المجاهدون، ويدرك قيمة تاريخ البلاد وأهمية إبقاء هذا التاريخ بعيدا عن التجاذبات السياسية.
وقد تميّزت الفترة التي سبقت الإعلان عن النص الدستوري المذكور بجدل كبير بين مجموعة من الأطراف التي لم تتوان في استغلال تاريخ البلاد لتصفية حسابات سياسية وغير سياسية، الأمر الذي أثار استياء الأسرة الثورية، وحين نقول الأسرة الثورية فذلك يعني أننا نقصد الجزائريين بشكل عام، حيث لا تكاد تخلو عائلة جزائرية واحدة من مجاهد أو شهيد.
ووسط الجدل السياسوي المتكئ على تاريخ البلاد وثورة نوفمبر، ارتفعت أصوات كثيرة تدعو إلى حماية الثورة ورموزها من مثل هذا الاستغلال المشين، والارتقاء بكتابة التاريخ بعيدا عن الحسابات الضيقة.. ولأن هذه الأصوات كانت أصوات حق ومنطق، لم يكن مفاجئا بالمرة أن يحمل الدستور الجديد تعديلات جوهرية تخص هذا الجانب.
وتنص المادة الأولى من دستور 2008 المعدلة للمادة 5 من دستور 1996 على أن العلم الوطني والنشيد الوطني من مكاسب ثورة أول نوفمبر 1954 فهما غير قابلين للتغيير، وهما رمزان من رموز الثورة والجمهورية، كما تنص على أن القانون هو الذي يحدد خاتم الدولة.
وإضافة إلى تحديد مميزات العلم الوطني والنشيد الوطني باعتبارهما من رموز ثورة أول نوفمبر 1954 والجمهورية، قرر الدستور الجديد إدراجهما ضمن المواضيع التي لا يمكن أن يمسّها أي تعديل دستوري، على اعتبار أن هذين الرمزين هما ملك لجميع الجزائريين، وإرث توارثته الأجيال السالفة، ويجب توريثه للأجيال القادمة، ولا شك أن التنصيص ضمن الدستور على هذه المميزات يهدف إلى ضمان حماية هذين الرمزين، وتكريسهما كمعالم للأمة، من خلال جعلهما غير قابلين للتغيير، وإضفاء طابع الديمومة عليهما، وضمان حفظهما على مرّ الأزمنة والأجيال.
وشكّلت المادة الأولى من دستور 2008 رسالة لكل العابثين برموز الثورة، وليس بعيدا عنا ما قامت به تشكيلة سياسية سوّلت لها أمزجة قيادييها العبث بالراية الوطنية من خلال تنكيسها وتعويضها براية سوداء، وهو ما اعتبره الرأي العام الوطني مساسا بهذا الرمز، وقد جاء الدستور الجديد لوضع حد لمثل هذه التجاوزات، وللتأكيد على أن رموز الثورة التي أهدت الاستقلال للجزائر والجزائريين ليست لعبة.
التاريخ ورموز الثورة.. بعيدا عن عبث العابثين
عرفت البلاد في سنوات الفوضى والجنون والدماء ضعفا كبيرا في مجال التحكم في كتابة التاريخ بطريقة موضوعية تتيح للأجيال الصاعدة فرصة الاطلاع على تاريخ البلاد كما هو، ومعرفة حقيقة ما جرى، بعيدا عن الذاتية التي ميّزت الكثير من الكتابات، إذ ظهرت إلى الساحة مؤلفات عديدة تُعنى بالتاريخ، ولكن معظمها كانت أشبه إلى الروايات الأدبية منها إلى الكتابات التاريخية، حيث طغى التزييف على بعضها، وغرقت أخرى في خيال أصحابها الذين كتبوها بطريقة تسيء إلى عدد من صناع هذا التاريخ.
وبدا واضحا أن كثيرين ممن شهدوا جانبا من التاريخ الحديث للبلاد لا يُسعدهم أن يكتبوا الحقيقة كما هي، ولا يجدون حرجا في تصفية حساباتهم الشخصية والسياسية من خلال تزوير حقائق تاريخية، ولذلك ارتأى مهندس الدستور الجديد، رئيس الجمهورية، أن يحدد الإطار العام لكتابة التاريخ، وأن يذكر المؤرخين ومن تشبه بهم بالمسؤولية التاريخية التي تقع على عاتقهم، فجاءت المادة 62 لتؤكد أنه على كلّ مواطن أن يؤدّي بإخلاص واجباته تجاه المجموعة الوطنيّة، ولتشير أيضا إلى أن التزام المواطن نحو الوطن ومشاركته في الدفاع عنه، يعدان واجبين مقدّسين مستمرين، لا ينتهيان غلا برحيل المواطن من الحياة الدنيا.
والمواطن ليس الوحيد الذي عليه أن يتحمل هذه المسؤولية التاريخية الثقيلة، حيث تشير المادة ذاتها إلى أن الدولة تضمن احترام رموز الثورة وأرواح الشهداء وكرامة ذويهم والمجاهدين، ويشكل هذا الجزء من هذه المادة مبعثا على اطمئنان المنشغلين بانتهاك حرمة رموز الثورة وأرواح صانعيها الراحلين، حيث يؤكد الدستور الجديد أن السلطات ستتكفل بالقيام بواجبها في حماية رموز الثورة من عبث العابثين الذين لا يستحون من المساس بأرواح الشهداء وكذا بكرامة المجاهدين، فالشهيد والمجاهد رمزان ينبغي تبجيلهما لا العبث بهما، وتقدير الشهداء والمجاهدين قدرهم الذي يستحقونه يعني أن الأجيال يستشعرون قيمة الاستقلال الذي دفعت الجزائر من أجله ضريبة ثقيلة من أبنائها.
كما تشير المادة 62 من دستور 2008 إلى أن الدولة تعمل كذلك على ترقية كتابة التاريخ وتعليمه للأجيال الناشئة، وهي المرة الأولى في تاريخ الجزائر التي تتم فيها دسترة ترقية كتابة التاريخ وتعليمه للأجيال الناشئة، وإسناد تأدية هذه المهمة إلى الدولة، مما يشكل تأكيدا على أن تاريخ الأمة الجزائرية هو تراث مشترك يتقاسمه جميع الجزائريين، وقد أشار المجلس الدستوري حين مناقشته التعديلات الجديدة إلى أن إدراج ترقية كتابة التاريخ وتعليمه للأجيال الناشئة ضمن الدستور، يهدف في غايته، إلى حفظ الذاكرة الجماعية للشعب الجزائري، وتعزيز المبادئ التي تقوم عليها الأمة الجزائرية.
التاريخ.. والثورة.. في الحفظ والصون
ودون مبالغة، يمكن التأكيد بأن دستور 2008 قد جعل تاريخ الجزائر وثورة التحرير في الحفظ والصون، وأبعدهما عن كل استغلال وتجاذبات من أي نوع، وأصبحت الكرة الآن في مرمى الأجيال الصاعدة.. أجيال الاستقلال، التي عليها أن تتطلع إلى إعادة ترتيب الحقائق التاريخ، والبحث عن تفاصيل ما جرى طيلة حقب التاريخ الجزائري الطويل والباعث على الفخر أيضا في قلب كل جزائري.
لقد أدى الشهداء والمجاهدون واجبهم كاملا، ونجحوا في طرد المستعمر الفرنسي وتطهير الأرض الجزائرية من رجسه، وواصلوا حربهم عليه حتى بعد الاستقلال، بدليل أن المجاهدين كانوا في الصفوف الأولى للرافضين لقانون العار الفرنسي الممجد للحقبة الاستعمارية، وقد أثمر هذا الرفض من خلال تراجع البرلمان الفرنسي عن المواد محل الجدل.
وفي غمرة شهر نوفمبر، الذي يأتي في ظل دستور جديد يضع النقاط على الحروف بخصوص رموز الثورة وكتابة التاريخ، تبدو المهمة الملقاة على كاهل أجيال ما بعد 1962 ثقيلة للغاية، حيث أن أجيال ما بعد الاستقلال مطالبة بالحفاظ على مكسب الاستقلال، بل وأكثر من ذلك تدعيمه، من خلال بناء دولة قوية تحسب لها الأمم الأخرى ألف حساب.. دولة قادرة على توفير حياة كريمة لمواطنيها القادرين على صناعة حاضر زاهر بأيديهم، والتمهيد لمستقبل أفضل لأجيال الغد، حتى تبقى صورة الجزائر، مهما كانت الظروف وتوالت الصعاب، ناصعة البياض دائما، وعلى مر العصور.
دستور 2008 ورموز الثورة
المادة 5:
العلم الوطني والنشيد الوطني من مكاسب ثورة أول نوفمبر 1954 وهما غير قابلين للتغيير.
هذان الرمزان من رموز الثورة، هما رمزان للجمهورية بالصّفات التالية:
1- علم الجزائر أخضر وأبيض تتوسّطه نجمة وهلال أحمرا اللّون.
2- النشيد الوطني هو "قسما" بجميع مقاطعه.
المادة 62:
على كلّ مواطن أن يؤدّي بإخلاص واجباته تجاه المجموعة الوطنيّة.
التزام المواطن إزاء الوطن وإجبارية المشاركة في الدفاع عنه، واجبان مقدّسان دائمان.
تضمن الدولة احترام رموز الثورة وأرواح الشهداء وكرامة ذويهم والمجاهدين.
وتعمل كذلك على ترقية كتابة التاريخ وتعليمه للأجيال الناشئة.














